ادخل بريدك ليصلك

جديد الموقع

ادخل رقم جوالك لتصلك

كنوز السنة

كم تحفظ من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

10 الى 50

50 الى 100

100 الى 200

200 الى 500

500 فما فوق

النتائج


السنة والاقتصاد

• حديث الأصناف الستة إعجاز متجدد (العدد الرابع)

بقلم: الدكتور رفيق بن يونس المصري - سورية - 2012-06-07

الإعجاز النبوي في حديث الأصناف الستة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قال رسول الله http://www.alsadiqa.com/img/Prophet.jpg: «الذهبُ بالذهبِ، والفضةُ بالفضةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشعيرُ بالشعيرِ، والتمرُ بالتمرِ، والملحُ بالملحِ، مِثْلًا بمِثْلٍ، سواءً بسواءٍ، يدًا بيد.  فإذا اختلفت هذه الأصنافُ فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد».   (أخرجه مسلم (1587) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه) 

 

 

هذا الحديث قرأته أنا وغيري مرات، وحاولت شرحه، وانصرف ذهني إلى شرحه؛ كما انصرف ذهني وذهن غيري إلى فحص هذه الأصناف الستة:

هل هي 6  أم 4 + 2 = 6؟

 

 

ما علّة ورود هذه الأصناف الستة مجتمعة في هذا الحديث النبوي الشريف؟

كيف جمع النبي http://www.alsadiqa.com/img/Prophet.jpg بينها في حديث واحد؟

هل هناك علّة واحدة لهذه الأصناف الستة؟

هل هناك علّة للصنفين الأولين؟

وعلّة أخرى للأصناف الأربعة الأخرى؟

 

 

انهمكنا في هذه الأمور، وصرفَنا هذا الانهماك عن أمر آخر أو أمور أخرى تتعلق بإعجاز الحديث!!

علماء المسلمين -وغير المسلمين- حاروا في هذا الحديث منذ عهد النبي http://www.alsadiqa.com/img/Prophet.jpg، وحتى عصرنا هذا، وسيبقى الأمر كذلك في العصور اللاحقة إلى يوم القيامة، والله أعلم. 

عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: «ثلاث وددتُ أن رسول الله http://www.alsadiqa.com/img/Prophet.jpg عهد إلينا فيهنّ عهدًا ننتهي إليه: الجدُّ، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا» (أخرجه البخاري (5588)، ومسلم (3032))

الجدّ والكلالة يتعلقان بعلم المواريث.

 

http://www.alsadiqa.com/img/hadeeth_1.jpg

 

 

ومن ثم فإن الحديث يتعلق بنوعين من المسائل: مسائل في الميراث، ومسائل في الربا.

ومن عرف مسائل الميراث، وعرف مسائل الربا، أدرك قيمة هذا القول المشهور عن عمر -رضي الله عنه-، ويلاحظ القارئ أن عمر -رضي الله عنه- عندما تكلم عن الميراث تكلم عن أمرين محددين تمامًا (الجدّ، والكلالة)، وكذلك عندما تكلم عن الربا لم يتكلم عن الربا كله، بل تكلم عن أبواب محددة منه. 

 

ويقول عمر -رضي الله عنه-:  «إنّا والله لا ندري لعلنا نأمركم بأمور لا تصلح لكم، ولعلنا ننهاكم عن أمور تصلح لكم، وإنه كان من آخر القرآن نزولًا آيات الربا، توفي رسول الله http://www.alsadiqa.com/img/Prophet.jpg قبل أن يبيّنه لنا، فدعوا ما يَريبكم إلى ما لا يَريبكم». (ذكره ابن حزم في "المحلى" (7/414))

 

 

نلاحظ هنا: أن عمر لم يتكلم بلسان رجل السياسة أو رجل الحُكم، بل تكلم بلسان رجل العلم الدقيق المشغوف بالعلم؛  إن عمر -رضي الله عنه- هنا يشحذ ذهنه وذهن غيره لمعرفة الربا، بل لمعرفة دقائق الربا، لعلّ العلماء يصلون في الربا إلى غلبة ظن أو يقين، بحيث لا يحرّمون منه إلا ما حرّم الله، وبهذا تتسع دائرة الحلال في الإسلام، وأنتم تعلمون أن الأصل في المعاملات (وربما الأشياء)؛ هو: الحلّ (الإباحة)!. 

 

http://www.alsadiqa.com/img/hadeeth_2.jpg

 

 

ويلاحظ -أيضًا-: أنه كان -رضي الله عنه- حريصًا على ألا يقتحم أحد دائرة الحرام، وكان يحبّ أن يكون هناك حِمَىً للحرام، ولعله كان يعتقد أن المسلمين، ولو زادوا في الحرام قليلًا خشية الوقوع فيه، فإنهم لن يخسروا شيئًا، ولن يتخلفوا عن ركب الحضارة والتقدم، لأن أمر التقدم أولًا وأخيرًا بيد الله، وما هذه الأمور إلا ابتلاءات من الله، فمن بذل جهده في حدود الإمكان، وتوكل على الله كفاه الله.

 

ويقول عمر -رضي الله عنه- أيضًا-: «من آخر ما نزل آية الربا، وإن رسول الله http://www.alsadiqa.com/img/Prophet.jpg قُبض قبل أن يفسّرها، فدعوا الربا والريبة» (أخرجه مسلم)

 

 

 

تُرى هل الربا من الريبة ؟

هل في الربا ما يكون موضع ريبة من العلماء؛ بحيث لا يصلون فيه إلى أمر قاطع؟

هل أراد الله تعالى أن يترك هذا المجال لتسرح فيه عقول العلماء المتفاوتة في العلم والذكاء؟

 

فالأمور منها ما هو محكم، ومنها ما هو متشابه، والمتشابه من جملة ما يراد به، من بين أمور أخرى، شحذ أذهان العلماء، وتدريبهم على التفكير العميق والدقيق.   

 

ولذلك؛ فإن الكاتب أو الكتاب الذي لايحرّك الأذهان لا يصلح للناس أن يتتلمذوا عليه، فلو تتلمذوا عليه لصاروا مثله أو أدنى منه!  فعلينا أن نحسن اختيار الكاتب والكتاب، سواء على مستوى التعليم الرسمي أو على مستوى التعليم الحر.

 

وهذا أمر يخفى على كثير من الناس، ولذلك قد ترى كثيرًا من الملتزمين، هم في حقيقتهم من أهل السذاجة! وسذاجتهم فيها من الخطر والخطورة الشيء الكثير على التعليم، والسلوك ،والتفكير، والتعبير، والمفاوضة، وعلى كل شيء. 

 

ويلاحظ: أن نفوذ العلماء المقلدين على العامة أكبر بكثير من نفوذ العلماء المجتهدين؛ لأن العامة يستريحون، لمن هو مثلهم أو قريب منهم، وقلما يستريحون لما هو مبتكر، وهذا ما يؤدي إلى أن يتفاقم الخطر!

 

ويقول عمر -رضي الله عنه- أيضًا-: «لقد خفت أن نكون قد زدنا في الربا عشرة أضعافه بمخافته». (أخرجه ابن ابي شيبة في "مصنفه" (22010)) ويقول: «تركنا تسعة أعشار الحلال مخافة الربا» (أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (14683))

 

 

http://www.alsadiqa.com/img/hadeeth_3.jpg

 

 

 

ويقول عمر -رضي الله عنه- أيضًا-: «إن من الربا أبوابًا لا يكدن يَخفين على أحد».   

 

ومن ثم؛ فإن عمر ليس مشغول البال بأبواب الربا الواضحة، فالعالم لا يشتغل بالواضحات، ولا يرى موجبًا لشرحها، بل هو مهموم بمعرفة الأبواب الغامضة والخفية.

يقول عمر -رضي الله عنه- أيضًا: «لأن أعرف بابًا من أبواب الربا أحب إليَّ من أن يكون لي مثلُ مِصرَ وكُوَرِها»(أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (14161))

 

لاحظْ كيف قدّم العلم على المال؟

وكيف أن باله مشغول بالتعمق في العلم، لا بالتعمق في جمع المال؟!

 

يقول ابن كثير في تفسيره: «باب الربا من أشكل الأبواب على كثير من أهل العلم».

 

ويقول الشاطبي في «الموافقات»: «إن الربا محلّ نظر يخفى وجهه على المجتهدين، وهو من أخفى الأمور التي لم يتضح معناها إلى اليوم».

 

دعْ عنك -الآن- صعوبات فهم ما هو مشكل من الربا، أو ما هو صعب وعسير من حديث الأصناف الستة، وفكّرْ معي في حديث الأصناف الستة نفسه: هل يمكن أن يصدر مثل هذا الحديث عن رجل عالم، فضلٍا عن رجل أمي؟  إنه الإعجاز النبوي في الربا!

 

الربا: هو كل زيادة في مقابل الزمن؛ وهي: حرام إذا كانت مشروطة.  ومن ثم فإن كل قرض يَشترط فيه المقرض على المقترض زيادة؛ فهو قرض ربوي!.   

 

 

والقرض في الإسلام عقد إرفاق (أو إحسان)، وشرط الزيادة فيه يخرجه عن موضوعه، أي: يُخرجه من الإحسان (أو التبرع) إلى المعاوضة، وهو بذلك يصبح بيعًا، ولا يعود قرضًا.  وحديث الأصناف الستة يَمنع الوصول إلى القرض الربوي عن طريق البيع الربوي، والزيادة المشروطة في هذه المعاملة حرام سواء سمّيت قرضًا ربويًا، أو بيعًا ربويًا!.

 

من يستطيع من المشرّعين أو من المنظّمين أو من العلماء منفردين أو مجتمعين: أن يضع هذا النظام (أو اللائحة)، من أجل حسن تطبيق حرمة الربا في القروض والديون.

 

من يستطيع ذلك بهذا الإيجاز المعجز الذي دوّخ العلماء؟!

هذا ما قصدته بالوجه الآخر من حديث الأصناف الستة، لقد شغلنا الفهم عن الإعجاز!

هل تريد أن أزيدك قليلًا من جرعة الإعجاز؟

أعدْ النظر مرة أخرى في حديث الأصناف الستة، في قوله http://www.alsadiqa.com/img/Prophet.jpg: «مِثْلًا بمِثْل، سواءً بسواء، يدًا بيد».

«مِثْلًا بمِثْل!»؛ أي: بالتماثل بين البدَلَيْن في القدر.

«سواءً بسواء!»؛ أي: بالتماثل بين البدَلَين في النوع.

«يدًا بيد!»؛ أي: بتقابض البدَلَين في زمن واحد. 

وهذا هو الأصل في المبادلات العادلة، فلا يكفي أن يتساوى البدَلان (العِوَضان) في الكم وفي النوع، بل لابد من أن يتساويا -أيضًا- في الزمن.   

 

فـ (100غ) ذهب بـ (100غ) ذهب هي مبادلة جائزة قرضًا، غير جائزة بيعًا..  لماذا؟  

 

الجواب: جازت في القرض؛ لأن القرض إحسان، ولم تجز في البيع لأن البيع عدل.  وهذا يفيد أن المعجّل خير من المؤجّل، فإذا أردنا التساوي بينهما فلا بد من الزيادة في البَدَل المؤجّل للتعويض عن التأجيل. 

 

هل تريد جرعة إعجازية أخرى في المعاني المتزاحمة في هذا الحديث؟

 

انظرْ -الآن- كيف فهم مجتهدو الفقهاء هذا الحديث.

قالوا: الذهب بالذهب فيه شرطان: المماثلة، والتقابض.

والذهب بالفضة فيه شرط واحد: التقابض (سدًا لذريعة ربا النسيئة، حيث يمكن أن يزاد في الفضل لأجل النَّساء)، ومن ثم لا تشترط هنا المماثلة، بل تجوز المفاضلة.   والذهب بالبُر لا يشترط فيه أيّ شرط ربوي: لا المماثلة ولا التقابض، بل تجوز فيه المفاضلة ويجوز فيه النَّساء (التأجيل)،  ويجوز فيه الزيادة في الفضل لأجل النَّساء (التأجيل).

 

جرعة أخرى: قوله: «إذا اختلفت الأصناف؛ فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد».   

يفهم منه أن هناك اختلافًا بين الأصناف، لكن الاختلاف في هذا الحديث اختلافان:

اختلاف بين الذهب والفضة.

واختلاف بين الذهب والبُر.

 

والثاني: أوسع من الأول؛ فالعلماء المجتهدون مجمعون على تقسيم الأصناف الستة إلى فئتين: فئة الذهب والفضة، وفئة الأصناف الأربعة الأخرى.

 

غير أن قوله في الجملة نفسها: «يدًا بيد» يفهم منه: أن المقصود هنا هو الاختلاف الأول (الضيّق): الاختلاف بين الذهب والفضة؛ وعليه؛ فإن قوله في هذه الجملة: «بيعوا كيف شئتم» لا يعني كيف شئتم بإطلاق؛

 

أي: التفاضل والنَّساء (التأجيل)؛ لأنه عاد؛ فقيّد، وقال: «إذا كان يدًا بيد»، ومن ثم، فإن: «كيف شئتم» لا تعني هنا أكثر من التفاضل!. 

 

قد يَسأل سائل: إذا كان حديث الأصناف الستة قد نص على الذهب بالذهب، ونص على الذهب بالفضة، واشترط في الأول: التماثل والتقابض، واشترط في الثاني: التقابض دون التماثل (أباح التفاضل)، من أين استمد العلماء المجتهدون أن مبادلة الذهب بالبُر يجوز فيها التفاضل والتأجيل، مع أن هذا الحديث لا ينص على هذا النوع من المبادلة؟

 

الجواب: أن هذا الحديث اختص بالقيود، وهي هنا قيدان: التماثل، والتقابض.  ومع ذلك لا أقول إن جواز التفاضل والتأجيل في الذهب والبر مستمدّ من أحاديث أخرى، بل أقول إنه مستمد من الحديث نفسه، ولكن من مفهومه لا من منطوقه!، فمبادلة الذهب بالبر هي مبادلة حرّة ربويًا؛ أي: ليس فيها شرط التماثل ولا شرط التقابض، بل يجوز فيها التفاضل والنَّساء (التاجيل) معًا.  والتفاضل هنا يجوز لاختلاف الصنفين، ويجوز -أيضًا- لاختلاف الزمنين. 

 

ويلاحظ: أنه في الذهب بالفضة منع النَّساء؛ لكي يتم التوصل إلى التفاضل لاختلاف الصنفين فقط، ولا يتم التوصل إلى التفاضل لاختلاف الزمنين.   

 

فإذا سمح باختلاف الزمنين كان المعنى أنه سمح بالتفاضل لاختلاف الصنفين ولاختلاف الزمنين معًا.

 

حديث نبوي تُكتب فيه مجلدات؛ ألا ترى ماذا كَتبَ فيه شرّاح الحديث، وفقهاء المذاهب، وعلماء الشريعة، وعلماء الاقتصاد، قديمًا وحديثًا ... سيل من الكتابة لا ينتهي؟!

 

والله لو اجتمع علماء الدنيا -أحياؤهم وأمواتهم- منذ النشأة إلى البعث، ما استطاعوا أن يأتوا بمثل هذين السطرين، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا ... (لا) و(لن) يستطيعوا ذلك ... (لا) من حيث الفكر ... و(لن) من حيث الصياغة!!.

فصلوات الله وسلامه على من أعطي جوامع الكلم، واختصرت له الحكم.

 

 

 

أضغط على الصورة لقراءة الموضوع من الصحيفة مباشرة

http://www.alsadiqa.com/img/4th.jpg

 

 

 

 

powered by Disqus