ادخل بريدك ليصلك

جديد الموقع

ادخل رقم جوالك لتصلك

كنوز السنة

كم تحفظ من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

10 الى 50

50 الى 100

100 الى 200

200 الى 500

500 فما فوق

النتائج


السنة والإصلاح

• دور العلماء في الإصلاح والتغيير (العدد الثالث)

بقلم: فضيلة الشيخ العلامة محمد الخضر حسين –رحمه الله- ال - 2012-06-28

دور العلماء في الإصلاح والتغيير

 

 

 

 

 

 

 

 

عن عبد الله بن عمرو بن العاص ( رضي الله عنه ) ، قال : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول : "إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتّى إذا لم يبق عالمًا ، اتّخذ النّاس رؤوسًا جهّالاً ، فسئلوا ، فأفتوا بغير علمٍ ؛ فضلّوا وأضلّوا". ( متفق عليه ) .

 

 

نود من صميم قلوبنا أن تكون نهضتنا المدنية راسخة البناء ، رائعة الطلاء ، محمودة العاقبة . ولا يرسخ بناؤها ، ويروع طلاؤها ، وتحمد عاقبتها ، إلا أن تكون موصولة بنظم الدين ، مصبوغة بآدابه ، والوسيلة إلى أن يجري فيها روح من الدين يجعلها رشيدة في وجهتها ، بالغة غايتها : أن يزداد الذين درسوا علوم الشريعة عناية بالقيام على ما استحفظوا من هداية ، فلا يذروا شيئًا يشعرون بأنه موكول إلى أمانتهم إلا أحسنوا أداءه .

 

ينظر أهل العلم في حال الناس من جهة ما يتقربون به إلى الخالق ، ويزنون أعمالهم ؛ ليميزوا البدعة من السنة ، ويرشدوهم إلى أن يعملوا صالحًا .

 

ومن الذي لا يدرك أن البدع تقف كقطع من الليل المظلم ، فتغطي جانبًا من محاسن الشريعة الغراء ، وهي –بعد هذا- ضلالات تهوي بأصحابها في ندامة وخسران ؟

 

ينظرون في أحوال الناس من جهة ما يدور بينهم من المزاعم الباطلة ، والأحاديث المصنوعة ،وينفون خبثها نفي النار لخبث الحديد ، يفعلون هذا ليكون الناشئ المسلم نقي الفكر ، صافي البصيرة ، لا يحمل في نفسه إلا عقائد خالصة ، وحقائق ناصعة .

 

ينظرون في أحوال الناس من جهة ما يجري بينهم من المعاملات ، فيصلحون ما كان فاسدًا ، ويصلون ما كان متقطعًا ، وما شاعت المعاملات التي نهى عنها الدين في غير هوداة ؛ كالربا ، والميسر ، إلا حيث قل من يعظ الناس في ارتكابها ، ويبسط القول في شؤم عاقبتها .

 

ينظرون في أحوال الناس من جهة ما يمسهم من السراء والضراء ، ويسعون ما استطاعوا في كشف الضر عنهم ، ولو بعرض حالهم على أولي الشأن ، وإثارة دواعيهم إلى أن يعالجوا العسر حتى ينقلب بفضل تدبيرهم يسرًا .

 

يحدثنا الكاتبون في تاريخ الأندلس : أن العلماء المقيمين في ضواحي قرطبة ، كانوا يأتون يوم الجمعة للصلاة مع الخليفة ، ويطالعونه بأحوال بلدهم ، وقال أحد علمائهم :

وأتعب إن لم يمنح الناس راحة**وغيري إن لم يتعب الناس يتعب

ينظر أهل العلم بعين الاحتراس إلى كل من يدعو إلى مذهب باسم الدين ، ويتخذون الوسائل إلى الاطلاع على حقيقة قصده .

 

ومن أسباب وهن حبل الإسلام ، وتقطع أوصاله : مذاهب يبتدعها ملاحدة يمكرون ، أو جهال لا يفقهمن .

نحن نعلم أن في كل أمة فئة يفتحون صدورهم لقبول كل دعوة توافق أهواءهم ، أو تأتيهم في طلاء يلائم أذواقهم ، ولكن نهوض العلماء بعزم وحكمة ، إن لم يسحق آراء هذه الفئة سحقًا ، فإنه يكشف عما فيها من سوء ، فلا يسكن إليها إلا من هم إلى الحيوان الأعجم أقرب منهم إلى الإنسان .

 

يرقب أهل العلم كل حركة تقوم بها جماعة من الأمة ، فينقدونها بالنظر الخالص ، ويصدعون فيها بآرائهم مدعومة بالأدلة المقنعة ، ولا تعد هذه المراقبة وهذا النقد خارجين عن خطة العالم الإسلامي ، بل هما واجبان في عنقه ، كواجب التعليم والإفتاء .

 

وإذا قصَّ علينا التاريخ أن فريقًا من أهل العلم قضوا حياتهم في بحث المسائل العلمية البحتة ، فقد قصَّ علينا أن أمة من عظمائهم كانوا ينظرون في الشؤون العامة ، ويمثلون السيرة التي تكسو صاحبها جلالة ، وترفع له بين الخلائق ذكرًا .

 

http://www.alsadiqa.com/img/esla7_2.jpg

 

كان أهل العلم يوجهون هممهم إلى الوسائل التي تقي الأمة ممن يبغونها الأذى ، فهذا أبو بكر بن العربي قاضي أشبيلية رأى ناحية من سور أشبيلية محتاجة إلى إصلاح ، ولم يكن في الخزانة مال موفر يقوم بسدادها ، ففرض على الناس جلود ضحاياهم ، وكان ذلك في عيد الأضحى ، فأحضروها ، وصرفت أثمانها في إصلاح تلك الناحية المتهدمة .

 

وكان محمد بن عبد الله بن يحيى الليثي قاضي قرطبة كثيرًا ما كان يخرج إلى الثغور ، ويتصرف في إصلاح ما وهي منها ، حتى مات في بعض الحصون المجاورة لطليطلة .

 

وظهور العلماء في أمثال هذه المواقف يغرس لهم في نفوس الأمة ودًّا واحترامًا ، ويورثهم في رأي أولي الأمر مقامًا كريمًا ، أفلا نذكر أيام كان أمراء الإسلام يعرفون في طائفة من العلماء رجاحة الرأي ، وصراحة العزم ، وخلوص السريرة ، فيلقون إليهم بقيادة الجيوش ، فيكفون بأس أعدائهم الأشداء ؟ وما كان أسد بن الفرات قائد الجيش الذي فتح صقلية إلا أحد الفقهاء الذين أخذوا عن مالك بالمدينة ، ومحمد بن الحسن في بغداد ، وعبد الرحمن بن القاسم في القاهرة .

 

ينظر أهل العلم إلى ما غرق فيه بعض شبابنا من التشبه بالمخالفين ، وتقليدهم في عادات لا تغني من الرقي شيئًا ، وقد يرى بعضهم انحطاط كثير من أبنائنا في هذا التشبه والتقليد ، فيعده قضاء مبرمًا ، ويملكه خاطر اليأس ، حتى ينتكث من التعرض للشؤون العامة ومعالجتها ، ولكن الذي يعرف علة هذا التسرع ، ويكون قد قرأ التاريخ ليعتبر ، يرى الأمر أهون من أن يصل بالنفوس إلى التردد في نجاح الدعوة ، بله اليأس من نجاحها .

 

وأذكر بهذا : أن كاتبًا كتب في إحدى المجلات مقالاً تحت عنوان : ( وحدة العالم ) يدعو فيه إلى مسايرة أوروبا في السفور ونحوه ، وقال في علة الدعوة إلى هذه المسايرة : ليخرج الشرق والغرب في مدنية واحدة ، وأشار على دعاة الإصلاح في الشرق بأن لا يقفوا في سبيل هذه المدنية ، زاعمًا أنهم لا يستطيعون مقاومتها ، ولا يزيدون على أن يجعلوا سيرها بطيئًا ، ورغب إليهم أن يحثوا الناس على المسارعة إلى قبولها .

 

والذين ينظرون إلى مدنية أوروبا باعتبار يبصرون فيها على البداهة ما لا يرتضيه العقل ، ولا يقبله الشرع .

واختلاف الأمم بالحق خير من اتحادها على باطل ، ولا يفوت الحكمة أن تجد نفوسًا مهذبة ، وعقولاً سليمة فتقبلها . فحقيق على العلماء أن يبتسموا لهذا الرأي تبسم الازدراء ، ولا يقيموا لمثله وزنًا إلا أن يكشفوا سريرته ، ويعرضوا على الأنظار سوء مغبته .

 

والعالم بحق من يتدرَّع بالإيمان البالغ ، والثقة بما وعد الله به الداعي إلى الحق من الظهور على أشياع الباطل ، وإن أوتوا زخرفًا من القول ، وسعة من المال ، وكانوا أكثر قبيلاً .

 

لا ينبغي لأهل العلم أن يغفلوا عن سير أرباب المناصب والولايات ، فمن واجبهم أن يكونوا على بينة من أمرهم ، حتى إذا أبصروا عوجًا ، نصحوا لهم بأن يستقيموا ، أو رأوا حقًّا مهملاً لفتوا إليه أنظارهم ، وأعانوهم على إقامته .

أمر السلطان سليم بقتل مائة وخمسين رجلاً من حفاظ الخزائن ، فبلغ هذا النبأ الأستاذ علاء الدين الجمالي ، وكان متوليًا أمر الفتوى ، فذهب إلى السلطان وقال له : وظيفة أرباب الفتوى أن يحافظوا على آخرة السلطان ، وهؤلاء الرجال لا يجوز قتلهم شرعًا ، فعليك بالعفو عنهم . فغضب السلطان سليم ، وقال له : إنك تتعرض لأمر السلطنة ، وليس ذلك من وظيفتك ، فقال الأستاذ علاء الدين : لا ، بل أتعرض لأمر آخرتك ، وإنه من وظيفتي ، فإن عفوت ، فلك النجاة ، وإلا ، فعليك عقاب عظيم ، فانكسرت سورة غضب السلطان ، وعفا عن الجميع .

 

http://www.alsadiqa.com/img/esla7_3.jpg

 

 

ومتى كان في ولاة الأمور شيء من العدل ، وكان في الداعي إلى الإصلاح حكمة وإخلاص ، نجحت الدعوة في سعيها ، وبلغت بتأييد الله مأربها .

 

يكون العالم رفيقًا في خطابه ، لينًا في إرشاده ، أما إذا أراده ذو قوة على أن يقول ما ليس بحق ، أو يأتي ما ليس بمصلحة ، أخذ بالتي هي أرضى للخالق ، وكان مثالاً للاستقامة صالحًا .

 

وإنما يقوم العالم بإسداء النصيحة إلى ذي قوة ، أو لا يوافقه فيما يخدش أمانته وتقواه ، متى قدَّر مقامه العلمي قدر ه ، وكان شأن العلم أسمى في نظره من كل شأن ، وهذا الشعور هو الذي يهيئه –بعد داعية الغيرة- لأن يجاهد في سبيل الحق مستهينًا بكل ما يعترضه من أذى .

 

ومن أدب العلماء : أن ينصحوا للأمة فيما يقولون أو يفعلون ، ويحتملوا ما ينالهم في سبيل النصيحة من مكروه ، وكم من عالم قام في وجه الباطل ، فأوذي فتجلد للأذى ، وأجاب داعي التقوى متأسيًا بقوله ( صلى الله عليه وسلم ) : " اللهم اغفر لقومي ؛ فإنهم لا يعلمون " .

 

وممن جرى على هذا الخلق المتين : أبو بكر بن العربي يوم كان قاضيًا بأشبيلية ، قال في كتاب " القواصم والعواصم " : حكمت بين الناس ، فألزمتهم الصلاة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حتى لم يك يرى في الأرض منكر ، واشتد الخطب على أهل الغصب ، وعظم على الفسقة الكرب ، فتألبوا وألبوا ، وثاروا علي ، فاستسلمت لأمر الله ، وأمرت كل من حولي ألا يدافعوا عن داري ، وخرجت على السطوح بنفسي ، فعاثوا عليَّ حتى أمسيت سليب الدار ، ولولا ما سبق من حسن الأقدار ، لكنت قتيل الدار ، يعني بقتيل الدار ؛ عثمان ( رضي الله عنه ) .

 

http://www.alsadiqa.com/img/esla7_4.jpg

 

 

ولا يستحق لقب عالم أو مصلح ذلك الذي يدعو الناس إلى العمل الصالح ، ويقبض عنه يده ، أو ينهاهم عن العمل السيئ ، ولا يصرف عنه وجهه ، فمن أدب العلماء : أن يسابقوا الأمة إلى اجتناب ما يؤاخذ به ، وعمل ما يحمد عليه ؛ كأن ينفقوا في وجوه البر والمشروعات الصالحات ما ينفقه أمثالهم من المكثرين أو المقلين ؛ فإن ذلك أدل على إخلاصهم ، وأدعى إلى توقيرهم وقبول نصائحهم .

 

وإذا كان العدد القليل فيما سلف يكفي لحراسة الدين ، وإرشاد من ينحرف عنه حتى يعود إليه ، فلأن سلطان الإسلام يومئذ ، وصوت غالب الجهل عليه خافت ، أما اليوم ، فالحال ما ترون وما تسمعون ، فلا يمكن للدعوة أن تأتي بفائدتها إلا أن تضم المعاهد الإسلامية بين جدرانها طوائف كثيرة من أولي الغيرة والعزم ، يصرفون جهدهم في الدفاع عن الدين ، والدعوة إلى الخير ، ويعيدون الدعوة مرة بعد أخرى .

 

وستنبت المعاهد الإسلامية –إن شاء الله- كثيرًا من العلماء القوامين على نحو ما وصفناه ، ولا سيما حين يأخذ التعليم نظامه الأسمى ، ويقوى الأمل في أن تؤتي هذه المعاهد الثمرة الغزيرة الطيبة ، متى نظر إليها أولو الأمر برعاية ، وعاملوا النشء المتخرجين منها بما يدل على أنهم يحترمون الشريعة ، ويقدرون ما تبثّه في الأمة من رشد وإصلاح . ( موسوعة الأعمال الكاملة 5/116 )

 

 

 

 

 

 

 

لقراءة الموضوع من الصحيفة مباشرة اضغط على الصورة

 

http://www.alsadiqa.com/img/3th.jpg

powered by Disqus