ادخل بريدك ليصلك

جديد الموقع

ادخل رقم جوالك لتصلك

كنوز السنة

كم تحفظ من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

10 الى 50

50 الى 100

100 الى 200

200 الى 500

500 فما فوق

النتائج


السنة ومكارم الأخلاق

• إليك يا نفس..!! فاعتبري! (العدد السادس)

بقلم: أبو حامد الغزالي -رحمه الله- المتوفى 505هـ - 2014-06-11

 

إليك يا نفس..!! فاعتبري!

أبو حامد الغزالي -رحمه الله- المتوفى 505هـ

بلاد خراسان (مدينة مشهد، إيران)

 

 

 

 

 

 

 

اعلم أن أعدى عدوك، نفسك التي بين جنبيك، وقد خلقت أمّارة بالسوء، ميّالة إلى الشر، فرّارة من الخير، وقد أُمرتَ بتزكيتها وتقويمها، وقَودها بسلاسل القهر إلى عبادة ربها وخالقها، ومنعها عن شهواتها، وفطامها عن لذاتها، فإن أهملتها، جمحتْ وشردتْ ولم تظفر بها بعد ذلك، وإن لازمتها بالتوبيخ والمعاتبة والعذل والملامة، كانت نفسك هى النفس اللوامة، التى أقسم الله بها، ورجوت أن تصير النفس المطمئنة، المدعوة إلى أن تدخل في زمرة عباد الله راضية مرضية،فلا تغفلن ساعة عن تذكيرها ومعاتبتها.

 

 

 

وسبيلك أن تقبل عليها فتقرر عندها جهلها وغباوتها فتقول لها:

 

يا نفس ما أعظم جهلك؛ تدعين الحكمةوالذكاء والفطنة، وأنت أشد الناس غباوة وحمقًا.

 

أما تعرفين ما بين يديك من الجنة والنار، وأنك صائرة إلى إحداهما على القرب، فما لك تفرحين وتضحكين، وتشتغلين باللهو وأنت مطلوبة لهذا الخطب الجسيم، وعساك اليوم تختطفين أو غدا، فأراك ترين الموت بعيدا، ويراه الله قريبا.

 

 

أما تعلمين أن كل ما هو آت قريب، وأن البعيد ما ليس بآت. أما تعلمين أن الموت يأتى بغتة، من غير تقديم رسول ومن غير مواعدة ومواطأة، وأنه لا يأتى في شيء دون شيء، ولا في شتاء دون صيف، ولا في صيف دون شتاء، ولا في نهار دون ليل، ولا في ليل دون نهار، ولا يأتى في الصبا دون الشباب، ولا في الشباب دون الصبا، بل كل نفس من الأنفاس يمكن أن يكون فيه الموت فجأة، فإن لم يكن الموت فجأة فيكون المرض فجأة، ثم يفضى إلى الموت، فما لك لا تستعدين للموت وهو أقرب إليك من كل قريب، أما تتدبرين قوله تعالى:﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾. [الأنبياء 1-3].

 

ويحك يا نفس، إن كانت جراءتك على معصية الله لاعتقادك أن الله لا يراك فما أعظم كفرك، وإن كان مع علمك باطلاعه عليك فما أشد وقاحتك وأقل حياءك، ويحك يا نفس لو واجهك عبد من عبيدك بل أخ من إخوانك بما تكرهينه، كيف كان غضبك عليه ومقتك له، فبأي جسارة تتعرضين لمقت الله وغضبه وشديد عقابه. أفتظنين أنك تطيقين عذابه، هيهات، هيهات، جربي نفسك فاحتبسي ساعة في الشمس أو قربي أصبعك من النار ليتبين قدر طاقتك. أمتغترين بكرم الله وفضله واستغنائه عن طاعتك وعبادتك. فما لك لا تعولين على كرم الله تعالى في مهمات دنياكمن غير سعي منك ولا طلب، أفتحسبين أن الله كريم في الآخرة دون الدنيا، وقد عرفت أن سنة الله لا تبديل لها، وأن رب الآخرة والدنيا واحد، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى.

 

 

أما أن الحمق الجلي اعتمادك على كرم الله تعالى وعفوه، من غير التفات إلى مكره واستدراجه واستغنائه عن عبادتك، مع أنك لا تعتمدين على كرمه في لقمة من الخبز أو حبة من المال أو كلمة واحدة تسمعينهامن الخلق، بل تتوصلين إلى غرضك في ذلك بجميع الحيل، وبهذا الجهل تستحقين لقب الحماقة من رسول الله-صلى الله عليه وسلم-حيث قال:«الكيس من دان نفسهوعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسههواها وتمنى على الله الأماني». [رواه الترمذي، وضعفه الألباني].

 

ويحك يا نفسُ، لا ينبغي أن تغرك الحياة الدنيا، ولا يغرنك بالله الغرور (الشيطان)، فانظري لنفسك، فما أمرك بمهم لغيرك، ولا تضيعي أوقاتك، فالأنفاس معدودة، فإذا مضى منك نفس فقد ذهب بعضك، فاغتنمي الصحة قبل السقم، والفراغ قبل الشغل، والغنى قبل الفقر، والشباب قبل الهرم، والحياة قبل الموت، واستعدي للآخرة على قدر بقائك فيها.

 

يا نفسُ، أما تستعدين للشتاء بقدر طول مدته،فكما لا يندفع برد الشتاء إلا بالجُبَّةِ والنار وسائر الأسباب، فلا يندفع حر النار وبردها إلا بحصن التوحيد وخندق الطاعات، وإنما كرم الله تعالى في أن عرفك طريق التحصن ويسر لك أسبابه، لا في أن يندفع عنك العذاب دون حصنه، كما أن كرم الله تعالى في دفع برد الشتاء أن خلق النار وهداك لطريق استخراجها من بين حديدة وحجر حتى تدفعي بها برد الشتاء عن نفسك.

 

ويحك يا نفسُ، ما أراك إلا ألفت الدنيا وأنست بها، فعسر عليك مفارقتها، وأنت مقبلة على مقاربتها، وتؤكدين في نفسك مودتها. ويحك يا نفس أتعلمين أن كل من يلتفت إلى ملاذ الدنيا ويأنس بها مع أن الموت من ورائه فإنما يستكثر من الحسرة عند المفارقة، وإنما يتزود من السم المهلك وهو لا يدري، أو ما تنظرين إلى الذين مضوا، كيف بنوا وعلوا، ثم ذهبوا وخلوا، وكيف أورث الله أرضهم وديارهم أعداءهم، أما ترينهم كيف يجمعون ما لا يأكلون، ويبنون ما لا يسكنون، ويؤملون ما لا يدركون، يبنى كل واحد قصرا مرفوعا إلى جهة السماء، ومقره قبر محفور تحت الأرض.

 

ويحك يا نفسُ، مالك إلا أيام معدودة هى بضاعتك إن اتجرت فيها، وقد ضيعت أكثرها، فلو بكِيت بقية عمرك على ما ضيعت منها لكنت مقصرة في حق نفسك، فكيف إذا ضيعت البقية وأصررت على عادتك، أما تعلمين يا نفس أن الموت موعدك والقبر بيتك والتراب فراشك والدود أنيسك والفزع الأكبر بين يديك.

 

http://www.alsadiqa.com/img_new/ya_nafs2.png

 

أما تعلمين يا نفسُ، أن عسكر الموتى يتمنون الرجعة إلى الدنيا يومًا ليشتغلوا بتدارك ما فرط منهم، ويوم من عمرك لو بيع منهم بالدنيا بحذافيرها لا شتروه لو قدروا عليه، وأنت تضيعين أيامك في الغفلة والبطالة.

 

ويحك يا نفسُ، أما تستحيين، تزينين ظاهرك للخلق، وتبارزين الله في السر بالعظائم، أفتستحين من الخلق ولا تستحيين من الخالق، ويحك أهو أهون الناظرين عليك، أتأمرين الناس بالخير وأنت متلطخة بالرذائل، تدعين إلى الله وأنت عنه فارة، وتذكرين بالله وأنت له ناسية، أما تعلمين يا نفس أن المذنب أنتن من العذرة، وأن العذرة لا تطهر غيرها، فلم تطمعين في تطهير غيرك، وأنت غير طيبة في نفسك.

 

ويحك يا نفس، لو عرفت نفسك حق المعرفة لظننت أن الناس ما يصيبهم بلاء إلا بشؤمك،ويحك يا نفس قد جعلت نفسك حمارا لإبليس؛ يقودك إلى حيث يريد، ويسخر بك، ومع هذا فتعجبين بعملك، وفيه من الآفات ما لو نجوت منه رأسا برأس لكان الربح في يديك، وكيف تعجبين بعملك مع كثرة خطاياك وزللك، وقد لعن الله إبليس بخطيئة واحدة، وأخرج آدم من الجنة بخطيئة واحدة مع كونه نبيه وصفيه.

 

ويحك يا نفسُ، ما أغدرك، ويحك يا نفس ما أوقحك، ويحك يا نفس ما أجهلك، وما أجرأك على المعاصى.ويحك كم تعقدين فتنقضين، ويحك كم تعهدين فتغدرين، ويحك يا نفس أتشتغلين مع هذه الخطايا بعمارة دنياك كأنك غيرمرتحلة عنها، أما تنظرين إلى أهل القبور كيف كانوا، جمعوا كثيرا، وبنوا مشيدا، وأملوا بعيدا، فأصبح جمعهم بورا، وبنيانهم قبورا، وأملهم غرورا.

 

فاتعظي يا نفس بهذه الموعظة، واقبلي هذه النصيحة، فإن من أعرض عن الموعظة فقد رضى بالنار، وما أراك بها راضية، ولا لهذه الموعظة واعية، فإن كانت القساوة تمنعك عن قبول الموعظة، فاستعيني عليها بدوام التهجد والقيام، فإن لم تزل فالمواظبة على الصيام، فإن لم تزل فبقلة المخالطة والكلام، فإن لم تزل فبصلة الأرحام واللطف بالأيتام، فإن لم تزل فاعلمي أن الله قد طبع على قلبك وأقفل عليه، وأنه قد تراكمت ظلمة الذنوب على ظاهره وباطنه، فوطني نفسك على النار، فقد خلق الله الجنة وخلق لها أهلًا، وخلق النار وخلق لها أهلًا، فكل ميسر لما خلق له.

 

وانظري الآن هل يأخذكِ حزن على هذه المصيبة التي ابتليتِ بها، وهل تسمح عينك بدمعة رحمة منك على نفسك، فإن سمحت فمستقى الدمع من بحر الرحمة، فقد بقى فيك موضع للرجاء، فواظبي على النياحة والبكاء، واستعيني بأرحم الراحمين، واشتكى إلى أكرم الأكرمين، وأدمني الاستغاثة، ولا تملى طول الشكاية، لعله أن يرحم ضعفك ويغيثك، فإن مصيبتك قد عظمت، وبليتك قد تفاقمت وتماديك،ولا مذهب ولا مطلب ولا مستغاث ولا مهرب ولا ملجأ ولا منجا إلا إلى مولاك، فافزعي إليه بالتضرع، واخشعي في تضرعك على قدر عظم جهلك وكثرة ذنوبك، لأنه يرحم المتضرع الذليل، ويغيث الطالب المتلهف، ويجيب دعوةالمضطر، وقد أصبحت إليه اليوم مضطرة، وإلى رحمته محتاجة، وقد ضاقت بك السبل، وانسدت عليك الطرق، وانقطعت منك الحيل، ولم تنجح فيك العظات، ولم يكسرك التوبيخ، فالمطلوب منه كريم، والمسئول جواد، والمستغاث به بر رءوف، والرحمة واسعة، والكرم فائض، والعفو شامل، وقولي: يا أرحم الراحمين، يا رحمن يا رحيم يا حليم يا عظيم يا كريم، أنا المذنب المصر، أنا الجريء الذى لا أقلع، أنا المتمادي الذى لا أستحي، هذا مقام المتضرع المسكين، والبائس الفقير، والضعيف الحقير، والهالك الغريق، فعجل إغاثتي وفرجي، وأرنى آثار رحمتك، وأذقني برد عفوك ومغفرتك، وارزقني قوة عظمتك يا أرحم الراحمين.

 

 

 

 

 

powered by Disqus