ادخل بريدك ليصلك

جديد الموقع

ادخل رقم جوالك لتصلك

كنوز السنة

كم تحفظ من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

10 الى 50

50 الى 100

100 الى 200

200 الى 500

500 فما فوق

النتائج


السنة و المرأة

• كيف تصنعين السعادة لنفسك ولمن حوالك؟ (العدد السادس)

بقلم: الأستاذة/ منى بنت عبد الله عقاب - 2014-06-12

كيف تصنعين السعادة لنفسك ولمن حوالك؟

 

الأستاذة/ منى بنت عبد الله عقاب

 

 

 

 

 

 

 

 

حياة الإنسان وعلاقاته بالآخرين شاملة لجميع حاجاته، وقد جاء الإسلام بمنظومة ربانية شرعية متكاملة كفلت لنا السعادة فيها توافق فطري بين سمو الروح وسكيولوجيا الجسد بحيث يشكل سموًا أخلاقيًا، وتكافلا اجتماعيًا.

 

فنحن لا نستطيع أن نَهَب أحدًا قسمة عقل؛ أو قطعة قلب تنبض وتبصر وتعقل، ولكن الإرادة الفعالة الجادة، والاجتهاد، وقبل ذلك كله: حسن الظن بالله، وجميل التوكل عليه من جهة، والنصح والمشورة والقدوة من جهة أخرى؛ هي: مآل السعادة، والتي هي سفينة مشحونة بالرضا عن كل ما كتب علينا، وقدر لنا.

 

 

إن استشعار نعم الله التيلا تعد ولا تحصى من أعظم أسباب السعادة، فكم من متعب متخبط بأمواج التقلبات يلهث خلف ما يراه سرابًا؛ فلا يجد شيئًا، ولا يرجع منه بشيء.

 

 

قال ابن القيم في «الفوائد»: «من الآفات الخفية العامَّة؛ أن يكون العبد في نعمة أنعم الله بها عليه، واختارها له، فيملها العبد، ويطلب الانتقال منها إلى ما يزعم لجهله: أنه خير له منها، وربه برحمته لا يخرجه من تلك النعمة، ويعذره بجهله وسوء اختياره لنفسه، حتى إذا ضاق ذرعًا بتلك النِّعمة وسخطها، وتبرَّم بها، واستحكم ملكه لها؛ سلبه الله إياها، فإذا انتقل إلى ما طلبه، ورأى التفاوت بين ما كان فيه وما صار إليه؛ اشتدَّ قلقه وندمه، وطلب العودة إلى ما كان فيه، فإذا أراد الله بعبده خيرًا ورشدًا أشهده أنَّ ما هو فيه نعمة من نعمه عليه، ورضاه به، وأوزعه شكره عليه، فإذا حدَّثته نفسه بالانتقال عنه؛ استخار ربَّه استخارة جاهل بمصلحته، عاجز عنها، مفوِّض إلى الله، طالب منه حسن اختياره له، وليس على العبد أضر من ملله لنعم الله؛ فإنه لا يراها نعمة، ولا يشكره عليها، ولا يفرح بها، بل يسخطها، ويشكوها، ويعدها مصيبة!  هذا وهي من أعظم نعم الله عليه، فأكثر الناس أعداء نعم الله عليهم، ولا يشعرون بفتح الله عليهم نعمه، وهم مجتهدون في دفعها وردِّها جهلًا وظلمًا، فكم سعتْ إلى أحدهم مِن نعمةٍ، وهو ساعٍ في ردِّها بجهده!  وكم وصلت إليه وهو ساعٍ في دفعها وزوالها بظلمه وجهله!».

 

 

إن الله -عز وجل- لا يبتلي المؤمنين ليعذبهم ويشقيهم، ولكنه يريد أن يختبرنا ليعلم مدى صبرنا وتعلق قلوبنا به ، وكم أعد لنا من الأجر العظيم ؛ قال تعالى : ﴿ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ [النور: 11].

 

 

وحال المؤمن إذا ابتلى بالضراء صبر، وإذا ابتلى بالسراء الشكر، والرضا مصداقًا لقوله ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن: إن أمره كله خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر؛ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر؛ فكان خيرًا له» [صحيح مسلم].

 

 

قال الشاعر :

 

دع المقادر تجري في اعنتها                 ولا تنامن الا خالي البال

ما بين طرفة عين وانتباهتها                يغير الله من حال إلى حال

 

 

ولذلك؛ فمن ثمرات الشكر والصبر: انشراح الصدر، وفرح القلب، واطئئنان النفس:

 

أخرج مسلم عن أم سلمة -رضي الله عنهما-؛ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من مسلم تصيبه مصيبة؛ فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها؛ إلا أخلف الله له خيرًا منها».

 

قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة!؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله؟  ثم إني قلتها؛ فأخلف الله لي رسوله؛ فتزوجها.

 

وها هو عمران بن الحصين ا حين أصابه مرض لبث معه ثلاثين عامًا، ما ضجر منه، ولا قال: أفّ!  بل كان مثابرًا على عبادته قائمًا، وقاعدًا، ومضطجعًا!.

 

وكان إذا هوّن عليه إخوانه وعوّاده أمر علَّته بكلمات مشجعة، ابتسم، وقال: «إن أحبّ الأشياء إلي نفسي أهبها لله».

 

وكانت وصيته لأهله وإخوانه حين أدركه الموت: «إذا رجعتم من دفني، فانحروا، وأطعموا».

 

ومن الصبر: عدم الشكوى للآخرين، وجزع القلب، وتبرم اللسان.

 

قال الأحنف بن قيس: شكوت إلى عمي وجعًا في بطني؛ فنهرني؛ وقال : «إذا نزل بك شيء؛ فلا تشكه إلى مخلوق مثلك لا يقدر على دفع مثله عن نفسه , ولكن اشكِ لمن ابتلاك به؛ فهو قادر على أن يفرج عنك , يا ابن أخي إحدى عيني هاتين ما أُبصر بها من أربعين سنة؛ وما أخبرت امراتي بذلك، ولا أحدًا من أهلي».

 

 

فمن تقلب في منازل الصبر، وترقى مدارج الشكر؛ فإن نفسه تسخو بالبذل، والإيثار، والإحسان؛ فلا تنتظر مقابل الأعمال الزاكيات التي تقدمها للغير، فهذه الدنيا دار عمل، والآخرة دار قرار واستقرار؛ لذلك لا تنتظر جزاء ولا شكرًا من البشر، بل ليكن عملك خالص لوجه الله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: 9]، عند ذلك ستجد ثمرة ذلك توفيقًا من الله في الأعمال، وبركة في المال، وعصمة من الزلل، و تسديد الرأي وبعدًا عن الخلل؛ كما أن المعروف لا يعدم عند كل الناس.

 

 

قال ابن عباس ب: «لا يزهدك في المعروف كفر من كفره؛ فإنه يشكرك عليه مَن لم تصطنعه إليه».

 

 

وصدق من قال:

من يعمل الخير لا يعدم جوازيه             لا يذهب المعروف بين الله والناس.

 

 

 

ولذلك سنضع بين يديك معالم من طريق السعادة:

 

1- مراجعة النفس ومحاسبتها على ما اقترفت، والحرص على تصحيح المسار باستمرار، وتجديد التوبة دون انتظار:

قال ابن القيم في «مفتاح دار السعادة»: «أن تنظر فيما قد تكون وقعت فيه، فما أصاب العبد من مصيبة قطُّ دقيقة ولا جليلة إلا بما كسبت يداه، وما يعفو الله عنه أكثر، وما نزل بلاء قطُّ إلا بذنب، ولا رفع بلاء إلا بتوبة، ولهذا وضع الله المصائب والبلايا والمحن رحمة بين عباده، يكفِّر بها من خطاياهم؛ فهي من أعظم نعمه عليهم وإن كرهتها أنفسهم».

 

 

2- للسعادة منازع؛ أعظمها وأعلاها وأغلاها، منزلة حب الله؛ باتباع ما شرع لنا، وإخلاص النية والصدق؛ قال ﷺ: «إذا أحبَّ الله عبدًا نادى جبريل: إني قد أحببت فلانًا؛ فأحبه، قال: فينادي في السماء، ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض؛ فذلك قول الله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾ [مريم: 96]، وإذا أبغض الله عبدًا، نادى جبريل: إني أبغضت فلانًا، فينادي في السماء، ثم تنزل له البغضاء في الأرض» [متفق عليه].

 

 

فمن أحب الله: أحب نفسه وغيره، وأحب الخير، وسعى لتحقيق السعادة بالبذل، والعطاء، والمساعدة، والصدقة، وكان همه دينه وأمته، وأن يترك من ورائه عملًا صالحًا، وعلمًا نافعًا ينتفع به.

 

قال ابن القيم في «الجواب الكافي»: «البغض والكراهة أصل كلِّ ترْك ومبدؤه، وهاتان القوَّتان في القلب أصل سعادته وشقاوته، ووجود الفعل الاختياري لا يكون إلا بوجود سببه من الحبِّ والإرادة».

 

3- استغل قدراتك في الخير:

لكل منا مهارات وإمكانيات معنوية ومادية؛ فليسع العبد كلّ منا حسب استطاعته في بناء صرح يفيد أمته، وينشر دينه:

صاحب العلم بحرفه وبيانه.

وذو المال بالصدقة، ومساعدة المحتاج، وتفريج الكربات.

 

 

4- اعرف غايتك، وحدد هدفك:

وجودنا ليس عبثًا بل لهدف يحتاج لتحول وحصيلة من القبول والمقدرة التي تصعد بنا تدريجيًا للوصول للنفس المطمئنة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].

 

لذلك؛ فاحرص على تغيير نفسك ودافعك نحو الأفضل؛ ﴿إِنَّ الله لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

 

 

5- ليكن لك رسالة، واشغل نفسك بقضية:

من يحمل همَّ الدين، ويسعى لتحقيق رضا الرب العظيم؛ يفكر دائمًا حتى بما ينفعه بعد الموت؛ لأنه يجد سعادته متحققة بطاعته؛ ونجاحه مرهون بتوفيق ربه:

 

 

فها هي فاطمة بنت محمد -رضي الله عنها- تحمل همَّ ما بعد الموت: كيف سيرى الرجال حجم جسدها؛ فلما مرضت فاطمة ل مرض الموت الذي توفيت فيه، دخلت عليها أسماء بنت عميس ل تعودها وتزورها، فقالت فاطمة لأسماء: «والله إني لأستحي أن أخرج غدًا أي: إذا مت- على الرجال فيروا جسمي من خلال هذا النعش!!».

 

وكانت النعوش آنذاك عبارة عن خشبة مصفحة يوضع عليها الميت، ثم يطرح على الجثة ثوب، ولكنه كان يصف حجم الجسم، فقالت لها أسماء: أو لا نصنع لك شيئًا رأيته في الحبشة؟! 

 

فصنعت لها النعش المغطى من جوانبه بما يشبه الصندوق، ودعت بجرائد رطبة فحنتها، ثم طرحت على النعش ثوبًا فضفاضًا واسعًا، فكان لا يصف!

 

فلما رأته فاطمة -رضي الله عنها- ؛ قالت لها : «سترك الله كما سترتني!!».

 

نسأل الله أن يجعلنا من السعداء الراضين بما قسمه لنا، الشاكرين على نعمه، الصابرين على بلائه، وأن يستر عوراتنا، ويأمن روعتنا، ويصرف الناس عن عيوبنا، ويغفر ذنوبنا: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: 77].

 

 

 

 

 

 

 

powered by Disqus